أمهات بلا طعام.. كيف تهدّد المجاعة حياة الحوامل والمواليد في قطاع غزة؟
أمهات بلا طعام.. كيف تهدّد المجاعة حياة الحوامل والمواليد في قطاع غزة؟
تتزايد في قطاع غزة بوادر كارثة إنسانية تتخذ وجهاً خاصاً لدى النساء الحوامل والمرضعات حيث تظهر مؤشرات ميدانية من مستشفيات وشركاء إنسانيين نسباً عالية جداً من سوء التغذية بين الحوامل، فيما أكد التحليل المشترك لوكالات الإغاثة الدوليّة أن أجزاءً من القطاع وصلت إلى مسوغات تصنيف المجاعة، مع توقع اتساعها إذا استمرّت قيود الدخول وانقطاع الإمدادات الطبية والغذائية.
وأظهرت أحدث تحليلات المرحلة المتكاملة لتصنيف الأمن الغذائي (IPC) وجود "مجاعة" في محافظة غزة، مع تقدير أن أكثر من 640 ألف شخص سيواجهون مستوى الكارثة (IPC المرحلة 5) بنهاية سبتمبر، إضافة إلى أكثر من مليون شخص في درجات طوارئ أو أزمة حادة.
وأشارت وكالات الصحة إلى ارتفاع كبير في حالات سوء التغذية والوفيات المرتبطة بها خلال الأسابيع الأخيرة، وهذه المؤشرات لا تقف عند أرقام عامة، بل تتجلى في نسب مئوية مرتفعة بين الحوامل والمرضعات في نقاط الرعاية المحلية، وفق منظمة الصحة العالمية.
معاناة من سوء التغذية
تقارير مستشفى العودة وشهادات أطباء هناك تفيد بأن ما بين 70 و75 في المئة من الحوامل والمرضعات اللواتي يراجعن المستشفى يومياً يعانين من سوء تغذية، مع تسجيل فقر دم حاد ونقص في الكالسيوم وفيتامين د، وانخفاض في وزن الأمهات والأجنة، وتزايد حالات الإجهاض والولادات المبكرة وانخفاض وزن المواليد.
ويحذر الأطباء من أن هذه العوارض تعرض حياة الأم والجنين لخطر مباشر إذا لم تتوفر المواد الغذائية العلاجية والمكملات والدواء والرعاية التوليدية المناسبة وفق منظمة "أكشن إيد".
وتوضح تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة أن أسباب تفاقم سوء التغذية لدى الحوامل ليس نقصاً محضاً في الغذاء بقدر ما هو نتاج تراكب أزمات إغلاق المعابر وقيود الدخول، وتدمير الأراضي الزراعية والبنى التحتية، وتوقف سلاسل الإمداد والوقود، وانهيار الخدمات الصحية والمختبرية. ونتج عن ذلك انقطاع مستمر في الأغذية المتنوعة، ونقص في الأدوية والمكمّلات، وإغلاق مراكز علاج سوء التغذية في مناطق تعرضت للهجوم أو الإخلاء القسري.
تداعيات صحية خطيرة
على المدى القصير، تهدد المعاناة الحالية بزيادة وفيات الأمهات والمواليد وانهيار معايير السلامة أثناء الولادة نتيجة نقص وحدات الدم والأنسجة الدوائية والمسكنات ومستلزمات العمليات القيصرية، وعلى المدى الطويل، يؤدي سوء تغذية الأم أثناء الحمل إلى انحطاط النمو الجنيني وتأخر النمو المعرفي والجسدي للطفل، وزيادة احتمالات الأمراض المزمنة في المستقبل، وهو ما يعني تدميراً لإمكانات جيل كامل، وتنبه تقارير المنظمات أن الانعكاسات ستبقى لسنوات حتى لو تم تدارك الحالة لاحقاً.
وأصدرت وكالات الأمم المتحدة (الصحة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي واليونيسف والفاو) بياناً مشتركاً يدعو لوقف فوري وشامل للأعمال القتالية وتسهيل دخول مساعدات غذائية وطبية على نطاق واسع، محذّراً من أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيدفع بالمجاعة نحو اتساع جغرافي. في المقابل، وثّقت منظمات حقوقية دولية حالات ميدانية وأدلة تقول إن القيود المتعمدة على دخول الإمدادات ومهاجمة البنى التحتية يمكن أن تجعل سياسات الحصول على الغذاء ذريعة للمساءلة الحقوقية.
منظمات مثل أكشن إيد وهيومن رايتس ووتش والعفو الدولية نقلت شهادات طبية وميدانية عن حالات إجهاض ووفاة مرتبطة بنقص الغذاء والرعاية، وطالبت بإنهاء الحصار وإتاحة تدفّق الإغاثة.
المسؤوليات القانونية والدولية
تُؤطر المعالجات القانونية للمأساة بالقوانين الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، حيث يفرض قانون الاحتلال، بموجب الاتفاقية الرابعة وتعليقات اللجنة الدولية، على القوة القائمة بالاحتلال واجباً بضمان الإمداد الغذائي والطبي للسكان المدنيين وعدم عرقلة مرور المساعدات الإنسانية، كما يُحظر استخدام التجويع وسيلة للحرب أو استهداف منشآت حيوية كالمستودعات والمزارع، كذلك أضافت تعديلات نظام روما نصوصاً تجريمية بشأن استخدام التجويع منهج حرب في حالات النزاع، وهذه الإطارات القانونية تشكل مرجعاً للمساءلة والمطالبة بإجراءات فورية لحماية المدنيين.
توصيات الهيئة الصحية الدولية ومنظمات التغذية الميدانية تتوزع بين إجراءات عاجلة وميدانية وإصلاحات أوسع، فعلى المستوى العملي العاجل يجب فتح معابر آمنة على نحو مستدام، وإيصال كميات هائلة من الغذاء المتوازن، وتوريد مكملات متعددة الفيتامينات والحديد وحزم العلاج للحالات الحادة، وتأمين وحدات غسيل الدم والأنسجة والوقود للمستشفيات، وإعادة تشغيل مراكز علاج سوء التغذية المتخصصة، وحماية المستشفيات والعاملين الصحيين، وتوفير برامج دعم للرضاعة الطبيعية وحملات توعوية وتغذوية، وتيسير مسارات هجرة طبية/استشفائية لمن تحتاج رعاية عاجلة، وتقدم إرشادات منظمة اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية أطراً عملية لحماية تغذية الحوامل والمرضعات في حالات الطوارئ.
دعوة لإنقاذ النساء
الوقائع في غزة وفقاً لمنظمة الصحة العالمية وأكشن إيد تظهر أن كل ساعة تأخير في فتح ممرات آمنة وتدفق المساعدات تتكفّل بزيادة أرقام الضحايا وتلف قدرات جيلٍ قادم، إن حماية النساء الحوامل والمرضعات ليست مطلباً قطاعياً محدوداً، بل استثمار في استمرار الحياة الجسدية والعقلية لمجتمع بأكمله، وباتت مطالب المنظمات الأممية والحقوقيين والعاملين الصحيين واضحة تتمثل في: وقف القتال، وفتح الممرّات، وتدفّق العلاجات الغذائية والدوائية، وحماية المرافق الصحية. وتنفيذ هذه الخطوات الآن يمكن أن يتفادى أسوأ النتائج الإنسانية والطبية.
يذكر أن وزارة الصحة في قطاع غزة، أعلنت مؤخراً ارتفاع حصيلة الضحايا جراء استمرار الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل منذ نحو 23 شهراً إلى 63 ألفاً و25 شهيداً، و159 ألفاً و490 مصاباً.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، ترتكب إسرائيل إبادة جماعية بغزة تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وإضافة إلى الشهداء والجرحى ومعظمهم أطفال ونساء، خلفت الإبادة ما يزيد على 9 آلاف فقيد، إضافة إلى مئات آلاف النازحين.